ابن قيم الجوزية

178

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قالوا : وأما استمرار التوبة : فشرط في صحة كمالها ونفعها . لا شرط في صحة ما مضى منها . وليس كذلك العبادات ، كصيام اليوم ، وعدد ركعات الصلاة . فإن تلك عبادة واحدة ، لا تكون مقبولة إلا بالإتيان بجميع أركانها وأجزائها . وأما التوبة : فهي عبادات متعددة بتعدد الذنوب . فكل ذنب له توبة تخصه . فإذا أتى بعبادة وترك أخرى ، لم يكن ما ترك موجبا لبطلان ما فعل . كما تقدم تقريره . بل نظير هذا : أن يصوم من رمضان ويفطر منه بلا عذر . فهل يكون ما أفطره منه مبطلا لأجر ما صامه منه ؟ . بل نظير من صلى ولم يصم ، أو زكى ولم يحج . ونكتة المسألة : أن التوبة المتقدمة حسنة ، ومعاودة الذنب سيئة . فلا تبطل معاودته هذه الحسنة ، كما لا تبطل ما قارنها من الحسنات . قالوا : وهذا على أصول أهل السنة أظهر . فإنهم متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية للّه وعداوة من وجهين مختلفين . ويكون محبوبا للّه مبغوضا له من وجهين أيضا . بل يكون فيه إيمان ونفاق ، وإيمان وكفر . ويكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الآخر . فيكون من أهله ، كما قال تعالى : هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ [ آل عمران : 167 ] وقال : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) [ يوسف : 106 ] أثبت لهم الإيمان به ، مع مقارنة الشرك . فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان باللّه . وإن كان معه تصديق لرسله ، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل وباليوم الآخر . فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر . وشركهم قسمان : شرك خفي . وشرك جلي . فالخفي قد يغفر . وأما الجلي فلا يغفره اللّه إلا بالتوبة منه ، فإن اللّه لا يغفر أن يشرك به . وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار . ثم خروجهم منها ودخولهم الجنة . لما قام بهم من السببين . فإذا ثبت هذا ، فمعاود الذنب : مبغوض للّه من جهة معاودة الذنب ، محبوب له من جهة توبته وحسناته السابقة . فيرتب اللّه سبحانه على كل سبب أثره ومسببه بالعدل والحكمة . ولا يظلم مثقال ذرة وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصّلت : 46 ] . توبة العاجز عن الذنب وإذا استغرقت سيئاته الحديثات حسناته القديمات وأبطلتها . ثم تاب منها توبة نصوحا خالصة : عادت إليه حسناته . ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها . بل يقال له : تبت على ما أسلفت من خير . فالحسنات التي فعلتها في الإسلام أعظم من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره : من عتاقة ، وصدقة ، وصلة . وقد قال حكيم بن حزام : « يا رسول اللّه ، أرأيت عتاقة أعتقتها في الجاهلية ، وصدقة تصدقت بها ، وصلة وصلت بها رحمي . فهل لي فيها من أجر ؟ فقال : أسلمت على ما أسلفت من خير » وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة . وصارت كأنها لم تكن ، فتلاقت الطاعتان واجتمعتا ؛ واللّه أعلم .